الخطيب الشربيني

673

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وفي أمثالهم : أضعف من فراشة ، وأذل وأجهل . وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره . وروى مسلم عن جابر قال : « قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها ، وهو يذبهنّ عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي » « 1 » . وفي تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتى منها الطيش الذي يلحقهم وانتشارهم في الأرض ، وركوب بعضهم بعضا ، والكثرة والضعف ، والذلة والمجيء من غير ذهاب ، والقصد إلى الداعي من كل جهة ، والتطاير إلى النار . قال جرير « 2 » : إنّ الفرزدق ما علمت وقومه * مثل الفراش غشين نار المصطلي والمبثوث المتفرق ، وقال تعالى في موضع آخر : كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [ القمر : 7 ] فإن قيل : كيف شبه الشيء الواحد بالصغير والكبير معا لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث ؟ أجيب : بأنّ التشبيه بالفراش في ذهاب كل واحد إلى غير جهة الآخر ، وأمّا التشبيه بالجراد فبالكثرة والتتابع . وَتَكُونُ الْجِبالُ على ما هي عليه من الشدّة والصلابة وأنها صخورا راسخة كَالْعِهْنِ أي : الصوف المصبوغ ألوانا لأنها ملوّنة قال تعالى : وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ [ فاطر : 27 ] أي : وغير ذلك الْمَنْفُوشِ أي : المندوف المفرّق الأجزاء فتراها لذلك متطايرة في الجوّ كالهباء المنثور ، كما قال تعالى في موضع آخر : هَباءً مُنْبَثًّا [ الواقعة : 6 ] حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمتا . ثم سبب عن ذلك تعالى مفصلا لهم : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ أي : برجحان الحسنات ، وفي الموازين قولان : أحدهما : أنه جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى ، وهذا قول الفراء . والثاني : قال ابن عباس : إنه جمع ميزان له لسان وكفتان لا يوزن فيه إلا الأعمال ، فتوزن فيه الصحف المكتوبة فيها الحسنات والسيئات أو الأعمال أنفسها ، فيؤتى بحسنات المؤمن في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فإذا رجحت فالجنة له ، ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة فيخف ميزانه فيدخل النار . وقيل : إنما توزن أعمال المؤمنين فمن ثقلت حسناته على سيئاته دخل الجنة ، ومن ثقلت سيئاته على حسناته دخل النار فيقتص منه على قدرها ، ثم يخرج منها فيدخل الجنة ، أو يعفو الله عنه فيدخل الجنة بفضله ورحمته . وأمّا الكافر فقد قال الله تعالى في حقه : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [ الكهف : 105 ] ثم قيل : إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم ، فعبر عنه بلفظ الجمع . وقيل : موازين لكل حادثة ميزان ، وقيل : الموازين الحجج والدلائل قاله عبد العزيز بن يحيى ، واستشهد بقول الشاعر « 3 » : قد كنت قبل لقائكم ذا مرّة * عندي لكل مخاصم ميزانه فَهُوَ أي : بسبب رجحان حسناته فِي عِيشَةٍ أي : حياة يتقلب فيها . قال البقاعي : ولعله

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 2285 . ( 2 ) البيت من الكامل ، وهو في ديوان جرير ص 344 . ( 3 ) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( وزن ) ، وتاج العروس ( وزن ) .